غزة/ آية عبد العال:
على كرسي متحرك، تنتظر شيرين أبو مهادي مريضة بالسرطان منذ أشهر مغادرة قطاع غزة لاستكمال علاجها، بعدما خضعت لعملية زراعة نخاع وتوقف علاجها البيولوجي لنحو عشرة أشهر.
كانت تملك تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكن سفرها تأخر، فيما تدهورت حالتها وأصبحت تتردد على المستشفى بعد إصابتها بتضخم في الغدة وارتفاع شديد في الحرارة، دون أن تجد المسكنات التي كانت تخفف آلامها.
حالتها تلخص جانبًا من معاناة نحو 11 ألف مريض بالسرطان في قطاع غزة، تضررت رحلة علاجهم منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدءًا من صعوبة التشخيص ونقص الأدوية وعدم انتظام بعض العلاجات، وصولًا إلى غياب العلاج الإشعاعي والحاجة إلى الإجلاء لتلقي خدمات غير متوفرة داخل القطاع.
وتزيد ظروف النزوح والعيش في الخيام ومراكز الإيواء وسوء التغذية من أعباء المرضى، في وقت قد يؤدي فيه تأخر الجرعات أو انقطاع العلاج إلى تدهور حالتهم أو انتكاس المرض.
مرضى بلا علاج
داخل خيمة متهالكة بمدينة دير البلح وسط القطاع، تحاول والدة الطفل محمد سالم، 6 أعوام، تخفيف أوجاعه، فتضع محلولًا ملحيًا على تقرحاته، في ظل غياب العلاج الذي يحتاج إليه.
وتوضح أن المحلول الملحي هو ما يتوفر لديها لتخفيف ألمه، بينما تحاول تشتيت انتباهه عن معاناته بدفتر وأقلام ملونة.
تقول والدته لـ "الاستقلال": "كم، أشعر بالقهر الشديد عندما أرى طفلي الصغير يعاني من الألم دون أن أتمكن من مساعدته". وتضيف "أنها تتمنى أن تملك القدرة على تخفيف معاناته ومنحه فرصة للعيش دون ألم."
السرطان وسط النزوح
تعيش فاطمة مقبل، 50 عامًا، في خيمة بمدينة النصيرات وسط قطاع غزة منذ بداية الحرب، بعدما شُخصت إصابتها بسرطان الرحم العام الماضي.
وتقول إنها فقدت اثنين من أبنائها في قصف إسرائيلي، فيما تواصل مواجهة المرض وسط ظروف النزوح وقلة الغذاء.
وتروي مقبل أنها فقدت الوعي بعدما لم تتمكن من تناول الطعام، مضيفة أن العلاج الذي تتلقاه حاليًا لا يتجاوز «حقنة مخدرة» تكفي لإبقائها على قيد الحياة، وتؤكد أن انتظار العلاج بات يستنزفها، بعدما أصبحت لا تعرف إلى أين تتجه لاستكمال علاجها.
التشخيص يتعثر
ويقول الدكتور محمد إبراهيم أبو ندى، مدير مركز غزة للسرطان، إن مرضى الأورام الذين يتابعهم المركز يشملون حالات من اللوكيميا والليمفوما وسرطانات الثدي والقولون والرئة، إلى جانب أورام الأطفال.
ويوضح أبو ندى لـ" الاستقلال" أن تشخيص السرطان تأثر بصورة كبيرة خلال الحرب، بعدما أصبحت الخزعات وفحوص الأنسجة والمناعة والجينات، إلى جانب الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والمناظير، محدودة أو غير متوفرة بصورة منتظمة.
ويضيف أبو ندى أن تضرر الأجهزة والمختبرات وصعوبة توفير المستلزمات وقطع الغيار أدى إلى تأخر التشخيص ووصول مرضى في مراحل أكثر تقدمًا أو بعد انقطاع طويل عن المتابعة والعلاج.
علاجات غير متوفرة
ويصف أبو ندى أدوية السرطان بأنها أخطر نقاط الضعف في علاج الأورام، موضحًا أن بعض الأصناف تتوفر لفترات قصيرة ثم تنقطع، فيما لا تتوفر أصناف أخرى أصلًا.
ويبين أن العلاج الكيميائي يعتمد على بروتوكولات متكاملة تختلف حسب نوع السرطان، وأن غياب أحد الأدوية الأساسية قد يضطر الأطباء إلى تأجيل الجرعة أو تعديل البروتوكول، بينما لا يمكن استبدال بعض الأدوية دون التأثير في فرص المريض بالشفاء.
ويقول أبو ندى إن العلاج الإشعاعي لم يكن متوفرًا في قطاع غزة حتى قبل الحرب، وإن نحو 30 إلى 40% من مرضى السرطان يحتاجون إليه، ما يجعل السفر إلى خارج القطاع ضرورة للمرضى الذين بحاجته.
أما العلاجات المناعية والموجهة والهرمونية، فيوضح أنها تتوفر بصورة محدودة وغير منتظمة، وبعضها يحتاج إلى فحوص متخصصة لتحديد المرضى الذين يمكن أن يستفيدوا منها.
آلاف ينتظرون الإجلاء
ويقدر أبو ندى عدد مرضى السرطان الذين لديهم تحويلات طبية سارية ويحتاجون إلى الإجلاء بنحو 4 آلاف مريض، للعلاج أو التشخيص أو الجراحات المتخصصة أو العلاج الإشعاعي والمناعي والموجه.
ويلفت إلى أن الحاجة إلى الإجلاء أكبر بكثير من القدرة الحالية، فيما يواجه المرضى انتظارًا طويلًا وعدم وضوح في مواعيد السفر، إلى جانب الحاجة إلى مرافق وتوقف المعابر أو إغلاقها في فترات مختلفة.
إمكانات محدودة
ويقول إن مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الذي كان المركز المتخصص الرئيسي لعلاج الأورام في غزة، خرج عن الخدمة في بداية الحرب، قبل أن يتعرض لدمار كبير في مارس/آذار 2025، ما حال دون إعادة تشغيله.
ويضيف أن مركز غزة للسرطان يواصل متابعة مرضى الأورام وتقديم العلاج الكيميائي عند توفر الأدوية، إلى جانب خدمات أمراض الدم والأورام للأطفال والرعاية الداعمة، لكن بإمكانات لا تتيح توفير جميع الخدمات التي كانت متاحة قبل الحرب.
ويؤكد أن النزوح وسوء التغذية ونقص المياه الآمنة تؤثر بصورة كبيرة على مرضى السرطان، خصوصًا الأطفال ومن يتلقون العلاج الكيميائي، إذ يحتاج المريض إلى تغذية جيدة ومياه آمنة وبيئة مناسبة للراحة، بينما تزيد ظروف الخيام والاكتظاظ من مخاطر العدوى والجفاف وسوء التغذية.
السرطان لا ينتظر
ويشدد أبو ندى على أن تأخر الجرعات أو انقطاع العلاج، خصوصًا في بعض أنواع السرطان سريعة النمو وأورام الدم، قد يؤدي إلى تقدم المرض أو انتكاسه، مشيرًا إلى استقبال مرضى تدهورت حالاتهم نتيجة عدم انتظام العلاج أو عدم توفر الأدوية.
ويؤكد أبو ندى أن أخطر ما يواجه مريض السرطان هو انهيار سلسلة الرعاية من التشخيص والفحوص إلى العلاج والمتابعة، مشدداً على ضرورة الإسراع في إجلاء الحالات التي تحتاج إلى علاج غير متوفر داخل القطاع.


التعليقات : 0